محمد بن جرير الطبري
125
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
ولا أصغر من ذلك ولا أكبر ، إلا في كتاب مبين . وقوله : هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ يقول تعالى ذكره : هو الذي أنشأ السماوات السبع والأرضين ، فدبرهن وما فيهن ، ثم استوى على عرشه ، فارتفع عليه وعلا . وقوله : يَعْلَمُ ما يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَما يَخْرُجُ مِنْها يقول تعالى ذكره مخبرا عن صفته ، وأنه لا يخفى عليه خافية من خلقه يَعْلَمُ ما يَلِجُ فِي الْأَرْضِ من خلقه . يعني بقوله : يَلِجُ يدخل وَما يَخْرُجُ مِنْها وَما يَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ إلى الأرض من شيء قط وَما يَعْرُجُ فِيها فيصعد إليها من الأرض وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ ما كُنْتُمْ يقول : وهو شاهد لكم أيها الناس أينما كنتم يعلمكم ، ويعلم أعمالكم ، ومتقلبكم ومثواكم ، وهو على عرشه فوق سماواته السبع وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ يقول : والله بأعمالكم التي تعملونها من حسن وسيئ ، وطاعة ومعصية ، ذو بصر ، وهو لها محص ، ليجازي المحسن منكم بإحسانه ، والمسئ بإساءته وَلِتُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ القول في تأويل قوله تعالى : لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ . . . وَيُولِجُ النَّهارَ . . . بِذاتِ الصُّدُورِ يقول تعالى ذكره : له سلطان السماوات والأرض نافذ في جميعهن ، وفي جميع ما فيهن أمره وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ يقول جل ثناؤه : وإلى الله مصير أمور جميع خلقه ، فيقضي بينهم بحكمه . وقوله : يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ يعني بقوله : يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ يدخل ما نقص من ساعات الليل في النهار ، فيجعله زيادة في ساعاته وَيُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ يقول : ويدخل ما نقص من ساعات النهار في الليل ، فيجعله زيادة في ساعات الليل . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل : وقد ذكرنا الرواية بما قالوا فيما مضى من كتابنا هذا ، غير أن نذكر في هذا الموضع بعض ما لم نذكر هنا لك إن شاء الله تعالى : حدثنا هناد بن السري ، قال : ثنا أبو الأحوص ، عن سماك ، عن عكرمة ، في قوله : يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ وَيُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ قال : قصر هذا في طول هذا ، وطول هذا في قصر هذا . حدثنا ابن بشار ، قال : ثنا مؤمل ، قال : ثنا سفيان ، عن الأعمش ، عن إبراهيم ، في قوله : يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ وَيُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ قال : دخول الليل في النهار ، ودخول النهار في الليل . حدثني أبو السائب ، قال : ثنا أبو معاوية ، عن الأعمش ، عن إبراهيم ، في قوله : يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ وَيُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ قال : قصر أيام الشتاء في طول ليله ، وقصر ليل الصيف في طول نهاره . وقوله : وَهُوَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ يقول : وهو ذو علم بضمائر صدور عباده ، وما عزمت عليه نفوسهم من خير أو شر ، أو حدثت بهما أنفسهم ، لا يخفي عليه من ذلك خافية . القول في تأويل قوله تعالى : آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ . . . أَجْرٌ كَبِيرٌ يقول تعالى ذكره : آمنوا بالله أيها الناس ، فأقروا بوحدانيته وبرسوله محمد صلى الله عليه وسلم فصدقوه فيما جاءكم به من عند الله واتبعوه ، وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ ، يقول جل ثناؤه : وأنفقوا مما خولكم الله من المال الذي أورثكم عمن كان قبلكم ، فجعلكم خلفاءهم فيه في سبيل الله . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ؛ وحدثني الحارث ، قال : ثنا الحسن ، قال : ثنا ورقاء جميعا ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، في قول الله : مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ قال : المعمرين فيه بالرزق . وقوله : فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَأَنْفَقُوا يقول : فالذين آمنوا بالله ورسوله منكم أيها الناس وأنفقوا مما خولهم الله عمن كان قبلهم ورزقهم من المال في سبيل الله لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ يقول : لهم ثواب عظيم . القول في تأويل قوله تعالى : وَما لَكُمْ لا تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ لِتُؤْمِنُوا بِرَبِّكُمْ وَقَدْ أَخَذَ مِيثاقَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ يقول تعالى ذكره : ومالكم لا تؤمنون بالله ، وما شأنكم أيها الناس لا تقرون بوحدانية الله ، ورسوله محمد صلى الله عليه